محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
17
الآداب الشرعية والمنح المرعية
ضيفك قابله ببشرك وليكن * له منك أبكار الحديث وعونه وقيل : تراهم خشية الأضياف خرسا * يصلون الصلاة بلا أذان وقيل : ذريني فإن الشح يا أم مالك * لصالح أخلاق الرجال سروق ذريني وحظي في هواني إنني * على الحسب العالي الرفيع شفيق فصل في حب الفقر " 1 " والموت " 2 " والحذر من الدنيا قال المروذي قال أبو عبد الله : كأنك بالموت وقد فرق بيننا ، أنا لا أعدل بالفقر شيئا ، أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء ، إني لأتمنى الموت صباحا ومساء أخاف أن أفتن في الدنيا . قال مسروق إنما تحفة المؤمن قبره . وقال إسحاق بن هانىء : قال أبو عبد الله : قال الحسن :
--> ( 1 ) قال ابن بطال في مسألة التفضيل بين الغنى والفقر : طال نزاع الناس في ذلك واحتج كل فريق بأحاديث ، وأحسن ما رأيت في هذا قول أحمد بن نصر الدوادي : الفقر والغنى محنتان من الله يختبر بهما عباده في الشكر والصبر ، ثم ذكر ما محصله : أن الفقير والغني متقابلان لما يعرض لكل منهما في فقره وغناه من العوارض فيمدح أو يذم ، والفضل كله في الكفاف ا ه . وقال القرطبي - المحدث وهو شيخ المفسر - في " المفهم " : جمع الله سبحانه وتعالى لنبيه الحالات الثلاث : الفقر والغنى والكفاف ، فكان الأول أول حالاته فقام بواجب ذلك من مجاهدة النفس ، ثم فتحت عليه الفتوح فصار بذلك في حد الأغنياء فقام بواجب ذلك من بذله لمستحقه والمواساة به والإيثار مع اقتصاره منه على ما يسد ضرورة عياله ، وهي صورة الكفاف التي مات عليها . قال : وهي حالة سليمة من الغنى المطغى والفقر المؤلم ، وأيضا فصاحبها معدود في الفقراء لأنه لا يترفه في طيبات الدنيا ، بل يجاهد نفسه في الصبر عن القدر الزائد على الكفاف ، فلم يفته من حال الفقر إلا السلامة من قهر الحاجة وذل المسألة ا ه وفي كلام لابن دقيق العيد : الذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف فيترجح الفقر ، ولهذا المعنى ذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر ، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها ، وذلك مع الفقر أكثر منه في الغنى ا ه . وقال ابن الجوزي : كم من غني لم يشغله غناه عن الله وكم من فقير شغله فقره عن الله - إلى أن قال - : وإن أخذت بالأكثر فالفقير عن الخطر أبعد لأن فتنة الغنى أشد من فتنة الفقر ، ومن العصمة أن لا تجد . الفتح ( 11 ( 278 - 280 ) ملخصا بتصرف . ( 2 ) المؤمن يحب الموت لما فيه من الراحة من عناء الدنيا ، والخوف من معصية الله تعالى ، والشوق إلى لقائه ، ولا يتأتى ذلك إلا من المؤمن بالله ، الموقن بالبعث ، المعمر لآخرته . الآداب الشرعية / ج 2 / م 2